الرجاء الإنتظار قليلآ ...
كعادتي، ما إن أدخل المنزل حتى يتحلَّق أبنائي جُلوساً حولي، فرحين بعودتي ومُرحِّبين بي، وسرعان ما يندفع أقربهم مسافةً وأخفُّهم حركةً إلى الهاتف لانتزاعه، إذ يتسابقون في سبيل الظفر به، ولكلٍّ منهم حاجته التي في نفسه. بل إنهم يحفظون عن ظهر قلب نمط الفتح وكلمة السر، فلا أجد نفسي مُضطراً للتدخّل في ذلك؛ شُفَّع مُفَتَّحين.
ونادراً ما تتوافق رغباتهم على مشاهدة مادةٍ بعينها، غير أنّ ذلك ما حدث فعلاً عندما فتحت ابنتي الكبرى “ضُحى” مقطعاً يوثِّق العملية المعقَّدة التي نفَّذتها قوات الدفاع المدني، وتمكّنوا خلالها من استخراج جُثمان طفلٍ من حُفرة مرحاض، وسط تعقيدات وحيثيّات لم تخطر على بال، ومخاطر جسام لا تخلو من الرهبة. لقد شدّ المشهد اهتمامهم، واستحوذ على انتباههم، حتى عمّ الصمت المكان، ثم انطلقت الأسئلة تباعاً:
“ده شنو؟ وديل منو؟ وبعملوا في شنو؟”
وأعادوا المقطع مراراً، مأخوذين بظهور البطل الفدائي الرقيب يوسف الطيِّب في منطقة شرق النيل، وهو يهبط إلى الحُفرة عبر فتحة جانبية ضيّقة لم يكن منها بدّ ولا مفر.
جلست أشاركهم المشاهدة وكأنّي أراها لأول مرة، على الرغم من أنني شاهدتُها من قبل مرّات عديدة. تملّكتني رهبة الموقف ولحظات عصيبة من الخوف والتوجّس، عشتُها معهم لحظة بلحظة كما عاشها التيم الميداني، وكنت أرتجف كلّما تأخّر صوت من داخل البئر، فإذا بالمقدَّم شرطة يس عبد الرؤوف، ومن حوله الجميع، يصيحون بالرقيب “أب شَرا”: اتكلّم.. ما تسكت!
أشفقتُ كثيراً على هؤلاء الأبطال، مثلما أشفق أولادي، فهم رجالٌ يحملون أرواحهم على أكُفّهم فداءً لغيرهم، يُصارعون المستحيل ويقهرونه في صمتٍ بعيد عن الأضواء والضوضاء. يعملون على مدار الساعة بثباتٍ راسخٍ وإيمانٍ لا يتزعزع، ليحيا الناس في أمنٍ وسلام.
قَطَع تسلسُل أفكاري سؤال ابنتي “فاطمة”:
“أبوي.. الزول النزل في الحفرة ده ما بخاف الحبل ينقطع بيهو؟ وبتنفس كيف جوَّه؟”
فجاء تعليق أخيها الأصغر “عبدالله”، المشاكس بطبيعته:
“ده شفِت.. مُعلِّم!”
حينها التفتُّ إليهم وقلتُ بلهجةٍ حاسمة:
“ديل يا أولادي.. ناس الدفاع المدني.. البِطْفُوا الحريق.. وبِنْقِذوا الغَريق.”
تمنّيتُ لو أنّ كل أطفال بلادي شاهدوا هذا المقطع، ليتعرّفوا على هذه التضحيات العظيمة، التي لولاها لما استقام للحياة عود، ولما كان لها طعم ولا لون ولا رائحة.
وأدعو صادقاً إلى إيجاد وسيلة للتعريف بهذه البطولات، ولو بأضعف الإيمان: أن تُطبَع مثل هذه الصور المشرِّفة على أغلفة الكراسات والمطبوعات المدرسية، بالتنسيق مع الجهات المختصة، ليبقى هذا الوعي راسخاً في أذهان النشء، جيلاً بعد جيل.